السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

56

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الافتراء لهم وتوبيخ وذم . والذي يقضي به النظر الابتدائي ان الترديد في الآية غير حاصر إذ كما يجوز ان يكون تقسيمهم رزق اللّه إلى حرام وحلال عن اذن من اللّه أو افتراء عليه تعالى كذلك يجوز ان يكون عن مصلحة احرزوها أو زعموها في ذلك أو عن هوى لهم فيه من غير أن ينسبوه إلى اللّه تعالى فيكون افتراء عليه . ومن وجه آخر الترديد في الآية بين إذن اللّه والافتراء على اللّه يشعر بأن الحكم إنما هو للّه فالحكم بكون بعض الرزق حراما وبعضه حلالا وهو دائر بينهم إما أن يكون من اللّه أو افتراء عليه ، ومن الممكن أن يمنع ذلك في بادئ النظر فكثير من السنن الدائرة بين الناس كوّنتها طبيعة مجتمعهم أو عادتهم القومية وغير ذلك . لكن التدبر في كلامه تعالى والبحث العميق يدفع ذلك فإن القرآن يرى أن الحكم يختص باللّه تعالى ، وليس لأحد من خلقه أن يبادر إلى تشريع حكم ووضعه في المجتمع الانساني ، قال تعالى : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ( يوسف / 40 ) . وقد أشار تعالى إلى لمّ ذلك في قوله : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ( الروم / 30 ) فتبين به أن معنى كون الحكم للّه كونه معتمدا على الخلقة والفطرة منطبقا عليها غير مخالف لما ينطق به الكون والوجود . وذلك أن اللّه سبحانه لم يخلق الخلق عبثا كما قال : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ( المؤمنون / 115 ) بل خلقهم لأغراض إلهية وغايات كمالية يتوجهون إليها بحسب جبلتهم ويسيرون نحوها بفطرتهم بما جهزهم به من الأسباب والأدوات وهداهم اليه من السبيل الميسّر لهم كما قال : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( طه / 50 ) ، وقال : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( عبس / 20 ) . قوله تعالى : وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى